أحمد زكى يمانى.. الرجل الذى دفع الغرب إلى الركوع خلال حرب رمضان

المصرى اليوم 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

اشترك لتصلك أهم الأخبار

إنه أحمد زكى يمانى عاشق البترول الذى ظل فى منصبه لربع قرن من الزمان، وكان إذا تكلم اهتز مؤشر الاقتصاد فى العالم نزولًا وصعودًا مع كلماته، ويهتز الرأى العام، وتتضارب أقوال الصحف، ويسرى القلق، وتتشعب التوقعات، الرجل الذى كان إذا تحرك ترصد خطواته عدسات التليفزيون والصحافة فى كل مكان.

وإذا ما جاء شهر رمضان من كل عام واحتفل المصريون بنصر أكتوبر - رمضان 1973، استعاد الناس سيرة موقف أحمد زكى يمانى (30 من يونيو 1930- 23 من فبراير 2021 ميلادية) وزير البترول والثروة المعدنية السعودى من عام 1962 إلى 1986، حيث كان وزير البترول إبَّان حظر النفط عام 1973، إلى أن أعفاه الملك السعودى الراحل فهد بن عبد العزيز آل سعود من منصبه عام 1986 ميلاديًّا.

إنه مهندس سلاح النفط فى حرب أكتوبر- رمضان، وأول أمناء منظمة الدول المصدرة للنفط «أوبك»، وخلال توليه منصبه، كان شاهدا على أحداث تاريخية بارزة، منها إعلان دول الخليج ومنظمة «أوبك» حظر النفط على الولايات المتحدة الأمريكية والبلدان الأخرى، التى كانت تؤيد «إسرائيل»، خلال حرب أكتوبر- رمضان عام 1973 ميلاديًّا. حيث تولى تنفيذ مبادرة الملك فيصل بقطع إمدادات النفط للتأثير على مسار الحرب، فبدأ فى السعى إلى خفض إنتاج النفط حتى 10% ثم إلى 5% شهريًّا، ثم رفع السعر من ثلاثة دولارات إلى 11.65 دولار، ما أضر كثيرا باقتصاد الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية التى كانت تدعم إسرائيل.

وآنذاك هدد يمانى بتفجير آبار النفط فى المملكة العربية السعودية حال إقدام الولايات المتحدة الأمريكية على غزو بلاده للسيطرة على آبارها النفطية.

ويذكر أن العام 1973 -1974 كان هناك حجب للنفط العربى ردًّا على مساندة الرئيس الأمريكى الأسبق ريتشارد نيكسون لإسرائيل، والصراع مع مصر وسوريا، الأمر الذى وصفه هنرى كيسنجر، وزير الخارجية الأمريكى الأسبق، بـ«الابتزاز العربى».

ولما مات يمانى فى فبراير 2021 عن تسعين عامًا، وصفته وكالة رويترز العالمية بأنه «الرجل الذى دفع الغرب إلى الركوع» خلال حرب أكتوبر- رمضان 73.

وقد ولد يمانى لأحد فقهاء الدين الإسلامى، وكان يعمل قاضيًا فى مكة، وكان من المتوقع أن يقتدى الابن بوالده وجده فى سلك التعليم.

وكان والده عالمًا فى الدين وقاضيًا فى الحجاز، ولاحقًا أصبح مفتيًا فى كل من إندونيسيا وماليزيا، أما جده فكان مفتيًا فى تركيا.

وفى عام 1988، أسس فى لندن مركز «الفرقان للتراث الإسلامى» التابع لـ«مؤسسة يمانى الخيرية»، وكان هدفه المحافظة على الأعمال الإسلامية التاريخية وتعريفها للعالم.

وبعد دراسة القانون فى كلية الحقوق جامعة القاهرة سافر يمانى إلى جامعتى نيويورك وهارفارد، وعندما عاد إلى السعودية أسس مكتبًا للمحاماة، وتولى أعمالًا حكومية ؛ مما لفت انتباه الأمير فيصل له، قبل أن يصبح ملكًا، وتولى يمانى منصب وزير النفط فى عام 1962.

وفى حوارى معه الذى أجريته فى بيته بمنطقة الهدا بالطائف قال لى: كانت أمنيتى فى الطفولة أن أكون مدرسًا فى المسجد الحرام، وكان جدى فى حلقته يمثل الهدف والأمل؛ لأنه كان أبى الحقيقى، وحادثة وفاته هزتنى، وأثرت كثيرا فى حياتى، وقد تطورت الأمانى بعد ذلك بتطور السن؛ فاستهوتنى مهنة المحاماة والدفاع عن المظلوم، أما مثلى العليا فكانت أحيانًا من التاريخ، كنت أعشق عمر بن الخطاب، وفى الأدب كان طه حسين مَثَلى، وفى البحث عباس محمود العقاد، وفى المحاماة والصحافة فكرى أباظة.

أحلام يقظتى كانت غزيرة ومتعددة، من أمنية أن أكون عَلَمًا فى الإسلام، ثم رمزًا للعدالة، ثم حلمت سنة 48 حين قامت الحرب بين العرب وإسرائيل بأن أكون قائدًا يهزم اليهود، وتتطور الأحلام وتدور دائمًا فى فلك الدين، فقد ولدت فى مكة، ونشأت فى بيت دين، ثم درست الدين بعمق، والدين فى نظرى ليس مجرد الصوم والصلاة وإنما هو محبة الذات الإلهية، والتى تتمثل فى العدالة الاجتماعية ومحبة الناس.

وقال لى يمانى فى حوارنا معًا: إن أهم سلاح واجه به الحياة هو الصبر والإيمان، والنجاح هو الوصول إلى الهدف مهما طال الزمن والصراع، أما المال فهو مجرد وسيلة لتحقيق المتطلبات ومنها العطاء، فى مكة لم يكن المال ذا قيمة، وكان الغنى إذا دخل إلى مجلس يتقدم عليه العالم، يعنى العلم هو الأساس، وهو قبل المال.

لم أوفق فى بداية حياتى لأن أكون مدرسًا لمعارضة أصدقاء والدى، وعملت سكرتيرًا للشؤون الاقتصادية بوزارة المالية، لكننى مارست التدريس كهواية، ثم درست فى جامعة الرياض إلى جانب وظيفتى.

وأعتقد أن الذكاء ضرورة للنجاح، والرجل غير الذكى قليل العطاء، لكن الحظ أيضًا يسهم بدور كبير.

أول رحلة لى كانت إلى مصر بالباخرة من جدة إلى السويس، وكنت أنتقل إلى عالم جديد مجهول، وبعد أن كان هدفى أن أكون من علماء المسجد الحرام، غيرت هذه الرحلة مسار حياتى؛ فأصبحت من رجال القانون، عدت إلى مكة، ثم سافرت إلى أمريكا لإتمام دراستى. (حصل على ليسانس فى الحقوق من جامعة القاهرة عام 1952، وفى عام 1955 حصل على منحة لدراسة القانون فى الولايات المتحدة الأمريكية بمعهد نيويورك للقانون، وفى عام 1956 حصل على الماجستير فى الحقوق من جامعة هارفارد، وبعدها حصل على درجة الدكتوراه من جامعة إكستر البريطانية).

سألته: هل الدبلوماسية هى فن الكذب السياسى؟ وهل الوضوح فى الحياة مهم للرجل العام؟ أجابنى: الكذب فى حد ذاته خصلة قبيحة وممجوجة، والكذوب لابد أن يفتضح أمره فى يوم ما، ولا أعتقد أن الدبلوماسى الناجح إذا انكشف كذبه سيستمر فى نجاحه، فالدبلوماسية تنطوى على شىء من إخفاء الحقيقة وعلى شىء من الدهاء فى كشف الحقيقة؛ لأن الوضوح الكامل لا يمكن أن يصل بالدبلوماسى إلى تحقيق هدفه. وسأروى لك هذه القصة لإعطاء الفرق بين الرجل العادى والدبلوماسى فى الحياة: كان الرسول مع السيدة عائشة، وجاء ذكر أحد المنافقين فذكره الرسول بما يستحق، ثم طرق الباب، وإذا بذلك الشخص المنافق جاء يستأذن فأذن له بالدخول وأكرمه وأعطاه مسألته، ثم لما خرج عجبت السيدة عائشة وتساءلت! فقال لها الرسول: أَيْ عَائِشَةُ إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللهِ مَنْ تَرَكَهُ، أَوْ وَدَعَهُ، النَّاسُ اتِّقَاءَ فُحْشِهِ. يَا عَائِشَةُ، مَتَى عَهِدْتِنِى فَحَّاشًا، إِنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ القِيَامَةِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ شَرِّهِ. يَا عَائِشَةُ، إِنَّا لنَبشُّ فِى وُجُوهِ أَقْوامٍ وَإِنَّ قُلُوبَنَا لَتَلْعَنُهُمْ».

هذا التصرف من جانب الرسول بوصفه زعيما سياسيا وقائدا هو تصرف دبلوماسى، أما الرجل العادى فى المجتمع فلا يجب أن يتصرف هكذا، الدبلوماسية فى الإسلام فن تحقيق المصلحة، من دون أن يتصف الإنسان بالكذب، والوضوح فى الحياة مهم مع الأصدقاء وليس مع الأعداء.

[email protected]

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق