كُل شىء بِه كَان وبِغَيره لم يكن شىء مما كان

المصرى اليوم 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

اشترك لتصلك أهم الأخبار

من سفر الحكمة تَجلّت هذه السطور النورانية أمامى، فأحببتها كما لم أحُب من قبل، وشعرت أنها أروع ما أبدأ به أول أيام السنة الميلادية الجديدية، وهى المناجاة التى جاءت على لسان سيدنا سليمان، عليه السلام، لما حَلّت عليه روح الحكمة من رب المجد العظيم، قال: «إنما أنا إنسان يموت مشاكل لسائر الناس من جنس أول من جبل وقد صورت جسدًا فى جوف أمى وفى مدة عشرة أشهر صنعت من الدم، ولما ولدت انتشيت هذا الهواء الشائع وسقطت على الأرض المشتركة حينئذ تمنيت الفطنة ودعوت فحل علىَّ روح الحكمة ففضلتها على الصوالجة والعروش، ولم أحسب الغنى شيئًا بالقياس إليها وأحببتها فوق العافية والجمال واتخذتها ليَّ نورًا لأن ضوءها لا يغرب فأوتيت معها كل صنف من الخير ونلت من يديها غنى لا يحصى، فتمتعت بهذه كلها لأن الحكمة قائدة لها ولم أعلم أنها أم جميعها، تعلمتها بغير مكر وأشرك فيها بغير حسد وغناها لا أستره فإنه كنز للناس لا ينقص والذين استفادوا منه أشركوا فى محبة الله لأن مواهب التأديب قربتهم إليه، وقد وهبنى الله أن أبُدى عما فى نفسى وأن أجرى فى خاطرى ما يليق بمواهبه.

فإنه هو المرشد إلى الحكمة ومثقف الحكماء وفى يده نحن وأقوالنا والفطنة كلها ومعرفة ما يُصنع ووهبنى علمًا يقينًا بالأكوان حتى أعرف نظام العالم وقوات العناصر ومبدأ الأزمنة ومنتهاها وما بينهما وتغير الأحوال وتحول الأوقات ومداور السنين ومراكز النجوم وطبائع الحيوان وأخلاق الوحوش وعصوف الرياح وخواطر الناس وتباين الأنبتة وقوى العقاقير، فعلمت جميع المكنونات والظواهر لأن الحكمة مهندسة كل شىء، هى علمتنى فإن فيها الروح الفهم القدوس المولود الوحيد ذا المزايا الكثيرة اللطيف السريع الحركة الفصيح الطاهر النير السليم المحب للخير الحديد الحر المحسن المحب للبشر الثابت الراسخ المطمئن القدير الرقيب الذى ينفذ جميع الأرواح الفهمة الطاهرة اللطيفة لأن الحكمة أسرع حركة من كل متحرك فهى لطهارتها تَلجُ وتنفذ فى كل شيء إنها تبلغ من غاية إلى غاية بالقوة وتدبر كل شىء بالرفق لقد أحببتها والتمستها منذ صبائى وابتغيت أن أتخذها لى عروسًا وصرت لجمالها عاشقًا فإن فى نسبها مجدًا لأنها تحيا عند الله ورب الجميع قد أحببها فهى صاحبة أسرار علم الله والمتخيرة لأعماله إذا كان الغِنى مُلكًا نفيسًا فى الحياة فأى شىء أغنى من الحكمة صانعة الجميع، وإن كانت الفطنة هى التى تعمل فمن أحكم منها فى هندسة الأكوان، وإذا كان أحد يحب البر فالفضائل هى أتعابها لأنها تُعَلّم العفة والفطنة والعدل والقوة التى لا شىء للناس فى الحياة أنفع منها.

وإذا كان أحد يؤثر أنواع العلم فهى تعرف القديم وتتمثل المستقبل وتفقه فنون الكلام وحل الأحاجى وتُعلم الآيات والعجائب قبل أن تكون وحوادث الأوقات والأزمنة لذلك عزمْت أن أتخذها قرينة لحياتى علمًا بأنها تكون لى مُشيرة بالصالحات ومفرجة لهمومى وكَربى فيكون لى بها مجد عند الجموع وكرامة لدى الشيوخ على ما أنا فيه من الفتاء، واعد حاذقًا فى القضاء وعجيبًا أمام المقتدرين إذا صمت ينتظرون وإذا نطقت يصغون وإذا أفضت فى الكلام يضعون أيديهم على أفواههم وأنال بها الخلود وأُخلف عند الذين بعدى ذكرًا مؤيدًا أدبر الشعوب وتخضع لى الأمم، يسمع الملوك المرهوبون فيخافوننى ويظهر فى الجمع صلاحى وفى الحرب بأسى وإذا دخلت بيتى سكنت إليها لأنه ليس فى معاشرتها مرارة ولا فى الحياة معها غمة بل سرور وفرح، وقد كنت صبيًا حسن الطباع ورزقت نفسًا صالحة ثم بازديادى صلاحًا حصلت على جسد غير مدنس، ولما علمت بأننى لا أكون عفيفًا ما لم يهبنى الله العفة وقد كان من الفطنة أن أعلم ممن هذه الموهبة توجهت إلى الرب وسألته من كل قلبى قائلًا..

(يا إله الآباء يا رب الرحمة يا صانع الجميع بكلمتك وفاطر الإنسان بحكمتك لكى يسود على الخلائق التى كونتها ويسوس العالم بالقداسة والبر ويُجرى الحكم باستقامة النفس هب لى الحكمة الجالسة إلى عرشك ولا ترذلنى من بين بنيك فإنى أنا عبدك وابن أمتك إنسان ضعيف قليل البقاء وناقص الفهم فى القضاء والشرائع، على أنه إن كان فى بنى البشر أحد كامل فما لم تكن معه الحكمة التى منك لا يحسب شيئًا، إن معك الحكمة العليمة بأعمالك والتى كانت حاضرة، إذ صنعت العالم وهى عارفة ما المرضى فى عينيك والمستقيم فى وصاياك فأرسلها من السماوات المقدسة وابعثها من عرش مجدك حتى إذا حضرت تجد معى، وأعلم ما المرضى لديك فتغدو أعمالى مقبولة وأحكم لشعبك بالعدل وأكون أهلًا لعرش أبى، فأى إنسان يعلم مشورة الله أو يفطن لما يريد الرب ونحن بالجهد نتمثل ما على الأرض، وبالكد ندرك ما بين أيدينا، فما فى السماوات من أطلع عليه ومن علم مشورتك لو لم تؤت الحكمة وتبعث روحك القدوس من الأعالى، فإنه كذلك قَوَمّت سبل الذين على الأرض وتعلم الناس مُرضاك، والحكمة هى التى خلصت كل من أرضاك يا رب منذ البدء، إن فى كل شىء روحك الذى لا فساد فيه)».

  • الوضع في مصر

  • اصابات

    138,062

  • تعافي

    112,105

  • وفيات

    7,631

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق