نسب مواليد العلاقات غير الشرعية إلى الأم يعكس الظلم المسلط على المرأة

وكالة أخبار المرأة 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف
أميرة فكري - القاهرة - " وكالة أخبار المرأة "

ما زال حكم تبرئة شاب مصري، قبل أيام، من اغتصاب فتاة والإنجاب منها، محل جدل ونقاش مجتمعي واسع، إثر قرار المحكمة بنسب الطفلة إلى الأم، بدعوى اقتناعها بأن العلاقة الجنسية بين الاثنين تمت بالتراضي، وبالتالي لا يجوز شرعا انتساب الصغيرة إلى أبيها، باعتبارها نتجت عن علاقة خارج إطار الزواج، وهو الحكم الشرعي المطبق في غالبية الدول العربية.
أحدث الحكم صدمة اجتماعية وخاصة على المستوى الأسري، وأضحى مفاجأة لمتابعي القضية التي كانت محل اهتمام الكثيرين، ذلك لأن المؤسسة الدينية في مصر ومعظم الدول العربية لديها اتفاق فقهي على أن نسب الطفل الناتج عن علاقة غير شرعية يكون بالضرورة إلى أمه، ويرثها وترثه، ولا علاقة له بأبيه من قريب أو بعيد، لأن النسب الأبوي يكون بناء على عقد زواج شرعي.
معضلة أسرية
تعاني الفتيات اللاتي يقدمن على علاقة غير شرعية خارج إطار الزواج، وينجبن أبناء، من معضلة نسب الأبناء إلى آبائهم، أمام الموقف الديني الثابت من الأزمة، حيث تستند جهات الفتوى إلى حديث نبوي نصه “الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ”.
تقول دار الإفتاء المصرية، إن الفقهاء اتفقوا على أن ولد الزنا يثبت نسبه من أمه التي ولدته، لأن الأمومة علاقة طبيعية، بخلاف الأبوة فهي علاقة شرعية، فلا تثبت أبوة الزاني لمن تخلق من ماء زناه.
بغض النظر عن صدق روايات الفقهاء وحجّة الرأي في الأزمة، يظل النظر إلى مشكلة نسب الأبناء إلى الأم من منظور ديني فقط بعيدا عن الإنسانية، لأن هناك معضلات أسرية ونفسية كثيرة يتعرض لها هؤلاء الأبناء مستقبلا، بسبب انتسابهم إلى أمهاتهم، إذ يتم التعامل معهم باعتبارهم لقطاء، أو “أبناء زنا” كما يناديهم البعض.
المتابع لنظرة بعض المجتمعات العربية إلى أبناء العلاقات غير الشرعية، يكتشف حجم التنمّر والاستهداف طوال الوقت، ففي العراق صدرت فتاوى متشددة غير رسمية لا تجيز الزواج منهم، وبعض المتطرفين في اليمن أشاعوا أنهم لا يدخلون الجنة، أما في الجزائر فقانون الأسرة لم يتطرق من الأساس إلى طريقة إثبات نسب اللقطاء.
تبدو الصورة أكثر قتامة في الدول التي تستند إلى رأي جهات الفتوى في كل المسائل الأسرية، دون اعتبار لتأثير ذلك على مستقبل أبناء العلاقات غير الشرعية، فلا يتم التطرق إلى حقوقهم التعليمية والمادية ولا حمايتهم بقوة القانون من التمييز، أو سن تشريعات تهوّن على الأمهات حتى لا يتم دفعهن إلى التخلص منهم مبكرا.
صارت مشاهد العثور على أطفال حديثي الولادة أمام المساجد وفي الميادين العامة وعلى أرصفة الشوارع، حوادث متكررة في بعض الدول العربية، لأن بعض الأمهات اللاتي ينجبن بطريقة غير شرعية يتخلصن من الصغار قبل أن يكونوا عبئا نفسيا وأسريا عليهن، لأن نسب هؤلاء الأطفال سيكون إلى الأم حتى لو لجأت إلى القضاء.
وتعجّ مؤسسات الرعاية الاجتماعية في مصر، بأطفال مجهولي النسب، وهؤلاء غالبا ما يتم العثور عليهم في الشوارع، وغالبا ما يكونون نتاج علاقة جنسية دفعت الأم إلى التخلص من ابنها، خشية تعرضها لاستهداف أسري، ويعيش هؤلاء الأبناء حياة بالغة الصعوبة على المستوى النفسي والتعليمي، ويصعب عليهم الزواج مستقبلا.
وترى أصوات نسائية، أن معاقبة الأم بنسب ابنها إليها وتبرئة الأب، يعكس الظلم المجتمعي والأسري والديني الواقع على المرأة في المجتمعات العربية، لأنه ليس من العدل أن تحمل وتلد وتربي وتتحمل مشقة الرعاية والتعليم والتنشئة السوية للابن، في حين أن الذي أقام معها العلاقة استمتع بجسدها، ولم يكلف نفسه عناء أي شيء آخر.
أبعاد إنسانية
أكدت هالة منصور أستاذة علم الاجتماع والباحثة في القضايا الأسرية بمصر، أنه لا يمكن حل أزمة أطفال العلاقات المحرمة شرعا دون النظر إليها من أبعاد إنسانية واجتماعية، فالابن لن يتمتع بالرعاية في غياب الأب، وسوف يعيش موصوما تطارده ألسنة المقربين والغرباء، وقد يتحوّل إلى مجرم يعادي كل من حوله ويفكر في الانتقام من الجميع، لأنهم حمّلوه ذنبا لم يرتكبه.
وأضافت ، أن الاستهداف المتكرر من الأسرة للأم التي أنجبت خارج إطار الزواج، لن يجعل تربيتها لابنها سليمة، باعتبارها تعيش ضغوطا نفسية واجتماعية يصعب تحملها، كل ذلك ينعكس على أطفالها، وخاصة إن لم يتقدم أي رجل للزواج منها باعتبارها ارتكبت من قبلُ، ما يسميه البعض “جريمة جنسية” لا يمكن غفرانها.
يبني المعارضون لأحكام نسب أبناء العلاقة غير الشرعية إلى الأمهات فقط، مواقفهم على وجود شبهة عنصرية تجاه النساء، لأنه حتى لو تمت العلاقة بالتراضي بين الشاب والفتاة، فلا يمكن تحميل المرأة وحدها هذا الوزر، باعتبار أن الطرفين توافقا على ذلك، ولا يصح تبرئة الرجل من كل شيء لمجرد أن الأنثى وافقت على معاشرته.
ويشير هؤلاء إلى أن نسب الطفل إلى أمه تترتب عنه منغصات كثيرة له، فعلى المستوى الأسري سيكون موصوما بأنه لقيط، وقد نتج عن علاقة جنسية محرمة، وهذا كفيل في المجتمعات الشرقية بأن يجعله منبوذا طوال حياته، ويُحرم من أغلب حقوقه في الحياة، على المستويين التعليمي والوظيفي، فلن يكون من حقه تولي مناصب قيادية أو الزواج بسهولة لأنه فاقد لكيان عائلي متكامل الأركان والنسب.
ولأغرب من فتاوى إنكار نسب أبناء العلاقات المحرمة إلى آبائهم، أن آراء المؤسسات الدينية ترفض حتى نسب الطفل إلى الأب ولو تزوج من الأم، فالرجل إذا أعاد التفكير في الزواج من المرأة التي عاشرها بشكل غير شرعي، وكانت قد أنجبت منه قبل الارتباط الرسمي لا يجوز نسب الابن إليه طالما أن ولادته سبقت عقد القران، وينسب إليه فقط أطفال ما بعد الزواج فقط.
وقد تنجح وساطات عائلية في إقناع شاب وفتاة أقاما علاقة انتهت بالإنجاب، بالزواج والاستمرار معا تحت سقف واحد، لكن المعضلة الأكبر، أن الابن يظل منسوبا إلى أمه ولو كان يعيش مع أبيه، وفق رأي جهات الفتوى في مصر، وهي إشكالية أسرية معقدة لم يتم النظر إليها بشكل أكثر إنسانية.
تلجأ بعض الأسر إلى التمرد على الرأي الديني بشكل سري، وتنسب الأطفال إلى الأب بعقد زواج رسمي، وبعدها يتم التطليق بالتراضي، لحفظ حقوق الأبناء فقط، بحيث تتم حماية الصغار من التنمر مستقبلا جراء نسبهم إلى الأم، لكنها تتحمل وحدها تبعات هذه الخطوة، من حيث الإنفاق على الابن وتربيته وتعليمه، وتدفع بنفسها فاتورة باهظة للعلاقة غير الشرعية.
ولا توجد إحصائيات رسمية تكشف النقاب عن أعداد أطفال العلاقات غير الشرعية، لكن هناك مؤشرات يمكن البناء عليها تعكس خطورة الظاهرة، ما يفرض على الجهات الرسمية سن تشريعات تتلاءم مع الواقع، ولا يتم الاستناد إلى مرجعيات تاريخية ولو كانت دينية.
تحدثت منظمات غير حكومية في تونس عن وجود ألف حالة سنويا، وقال المركز المغربي لحقوق الإنسان في المغرب، قبل ثلاث سنوات، إن هناك مئة حالة يوميا لأطفال من دون هوية الأب، وأعلنت الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان، أن عدد الأطفال الذين يولدون خارج إطار الزواج سنويا يتجاوز أربعة آلاف.
وترى بعض الأصوات المعتدلة أنه حتى لو كان رأي الدين واضحا في مسألة نسب أطفال العلاقات المحرمة إلى أمهاتهم، فزيادة أعداد هؤلاء الأبناء يفرض على مؤسسات الفتوى إعادة التفكير والبحث عن حلول عملية وإنسانية.
ولفتت الباحثة الاجتماعية هالة منصور، إلى أن الحل الأمثل لضمان دمج أطفال العلاقات الجنسية غير المشروعة هو أن تتغير التشريعات الحالية بشكل يحول دون وصم هؤلاء الأبناء وعدم تحميلهم ذنب آبائهم، قبل أن يكبروا وقد يتحولون إلى ذئاب تنتقم من الجميع.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق